الراغب الأصفهاني
361
الذريعة إلى مكارم الشريعة
وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ « 1 » وقال تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ « 2 » وقال تعالى : أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ « 3 » فخص في هذه الآيات السيء من المكر تنبيها على جواز المكر الحسن فقال : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ « 4 » . وأما الكيد فإرادة متضمنة لاستتار ما يراد عمن يراد به ، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشر ومتى قصد به الشر فمذموم ومتى قصد به خير فمحمود ، وعلى الوجه المحمود قال سبحانه وتعالى : كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 5 » وعلى ذلك الاستدراج منه أيضا سبحانه وتعالى نحو قوله : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ « 6 » فاستدراجه سبحانه وتعالى تغطية السبيل على الإنسان وتمكينه فيما يريد ليطلب بالآلات التي أعطاه وذلك تكليف له لما يقدر عليه وإن كان فيه مشقة ولتمكنه من إدراك ذلك قال تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ « 7 » فمن جاهد في سبيله وأعمل فكره حتى ظفر به فسلكه على ما يجب وكما يجب سهل عليه الوصول وكان ذلك منه منة وإحسانا ولطفا ، ومن عطل معاونه
--> ( 1 ) فاطر / 10 . ( 2 ) فاطر / 43 ، 44 . ( 3 ) النحل / 45 . ( 4 ) آل عمران / 54 . ( 5 ) يوسف / 76 . ( 6 ) القلم / 44 . ( 7 ) البلد / 8 ، 9 .